ليس من السهل أن يعرف الإنسان نفسه. فقبل أن يتعلم كيف يختار، يكون قد تعلّم كيف يُرضي. يكبر وهو يسمع ما ينبغي أن يكونه، أكثر مما يسمع ما يمكن أن يكونه. تتشكل شخصيته وسط النصائح، والتوقعات، والأحكام، حتى يغدو السؤال الأصعب في حياته: أيّ الأفكار تنتمي إليّ حقًا، وأيّها ورثتها دون أن أشعر؟
نحن لا نعيش في فراغ؛ فالمجتمع ضرورة، وآراء الآخرين جزء من التجربة الإنسانية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الآراء من مرآة نستفيد منها إلى قفص نعيش داخله. عندها لا يعود الإنسان يسأل: ماذا أريد؟ بل يسأل: ماذا سيقول الناس؟ وكأن قيمة القرار لا تُقاس بمدى صدقه، بل بمدى قبوله.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه التوقعات صوتًا أعلى. لم نعد نقارن أنفسنا بمن حولنا فقط، بل بآلاف القصص والصور التي تعرض النجاح في أجمل صوره، والسعادة في أكثر لحظاتها اكتمالًا. نرى النتائج ولا نرى الطريق، ونرى الابتسامات ولا نرى التعب الذي سبقها. ومع الوقت، يصبح من السهل أن نظن أن حياتنا ناقصة، لا لأنها كذلك، بل لأنها لا تشبه ما نراه على الشاشات.
لكن الحقيقة أن الإنسان يفقد جزءًا من نفسه كلما عاش ساعيًا إلى إعجاب الآخرين. فالحياة التي تُبنى على التصفيق تظل معلقة به؛ تزدهر إذا حضر، وتنهار إذا غاب. أما الحياة التي تُبنى على القناعة، فتمتلك جذورًا أعمق من أن تقتلعها الآراء العابرة.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الفشل، بل محاولته المستمرة لأن يكون شخصًا لا يشبهه. أن يرتدي اهتمامات ليست له، وأن يسلك طريقًا اختاره غيره، وأن يؤجل أحلامه خوفًا من حكم لا يدوم. وما أقسى أن يكتشف المرء، بعد سنوات طويلة، أنه نجح في تحقيق توقعات الجميع، إلا توقعاته هو.
الحرية لا تعني أن نرفض كل رأي، ولا أن نعيش بمعزل عن المجتمع، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لتمييز ما يناسبنا مما فُرض علينا. أن نصغي للآخرين دون أن نفقد صوتنا، وأن نتقبل اختلافنا دون أن نشعر بالحاجة إلى الاعتذار عنه.
ربما لن نستطيع إسكات أصوات العالم، لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تكون أعلى من صوت ضمائرنا. فالحياة قصيرة على أن تُعاش بالنيابة عن الآخرين، وأثمن ما يملكه الإنسان ليس إعجاب الناس به، بل أن يعيش حياةً حين ينظر إليها في نهايتها، يشعر أنها كانت حياته هو، لا حياةً كُتبت له وأدى دورها بإتقان.
فالإنسان لا يخسر نفسه دفعةً واحدة، بل يخسرها كلما فضّل أن يكون نسخةً ترضي الجميع على أن يكون النسخة التي تشبهه. وربما تبدأ الحرية الحقيقية من اللحظة التي نتوقف فيها عن عيش حياةٍ كُتبت لنا، ونبدأ بكتابة حياتنا بأيدينا.
سطور تنفعك
لأن بعض السطور لا تُنسى

«كلامك يلامس الجرح تماماً ويعبر عن صراع خفي نكابده كل يوم بصمت.
أعظم ما في هذا النص هو أنه يضع الإصبع على الوهم الأكبر في عصرنا: وهم "النجاح المعروض للبيع". لقد أصبحت حياتنا معروضة على واجهات المتاجر الرقمية، نقيس قيمتها بعدّ التصفيق والمشاهدات، متخيلين أننا سنحصل على الطمأنينة إذا صفق لنا الغرباء، بينما نحن في الحقيقة نفقد أنفسنا تدريجياً.
المأساة الحقيقية ليست في أن يفشل الإنسان، بل في أن ينجح في حياةٍ ليست له.. أن يحقق كل توقعات الناس منه، ليكتشف في النهاية أنه نسي أن يعيش نفسه. والشجاعة الحقيقية اليوم لا تكمن فقط في كسر القفص الاجتماعي، بل في القدرة على تحمّل صوت "الصمت" الذي يلي التوقف عن إرضاء الآخرين، والبدء بسماع الصوت الداخلي الحقيقي.
مقال أو خواطر بالغة العمق والصدق.. أحسستُ بكل حرفٍ فيها.»
أحببت المقال ... جزاك الله خيراً